بينما استطاع الإنسان معرفة وفهم معظم الأسرار المحيطة بعمليات الحياة،
مثل التكاثر والسعي وراء الغذاء والدفاع عن النفس، فإنه ما يزال في براثن
الحيرة أمام ظاهرة يومية منتظمة هي النوم! بل أكثر من ذلك، فإن ظواهر
الحياة وعملياتها المختلفة لا تستغرق من عمر الإنسان ما يستغرقه النوم،
إذ ينفق الإنسان ثلث عمره نائمًا! والبحث في أسرار ظاهرة النوم يشغل
الإنسان منذ زمن بعيد. وهذه الظاهرة لا تشغل الإنسان البالغ وحده،
ولا تشغل العلماء والباحثين والمفكرين وحدهم، ولكنها واردة حتى
في أسئلة الصغار حين يستفهمون ببراءة: (لماذا ننام؟!).
هل النوم ضرورة حياة، أم أنها عادة موروثة من أجداد استناموا
إلى هدأة الليل فسكنوا فيه؟! أم أن النوم لازم لتخليص الجسم
من: (سموم وشوائب وفضلات) تتجمع فيه نتيجة أنشطة الحياة؟!
أم لعله (وظيفة عضوية) من وظائف المخ، الذي يصدر أمرًا إلى الأعضاء بالسكون فتسكن؟!
حول هذه الأسئلة وأشباهها يدور البحث في عدد من المراكز العلمية
المهتمة بهذه الظاهرة. وبين الحين والآخر، تصدر عن مركز هنا أو هناك
بعض النتائج التي تُعَدّ خطوة على الطريق نحو فهم هذا اللغز الكبير.
ولا ندري كم من الوقت سيستغرق البحث قبل أن يفلح الإنسان في
إماطة اللثام عن سِرٍّ طال اشتغاله به!
ولكن المؤكد أنه ما دام يحاول، فلربما يصل إلى الغاية يومًا ما.
وفي أول النوم، يخامر الإنسان شعور بأنه (يطفو) أو (ينجرف) في تيار ماء. وبعض الناس يصف ذلك بأنه شعور بخفة وزن الجسم. وتعرف هذه المرحلة باسم (المرحلة الأولى) وتتميز بانخفاض ـ أحيانًا يصحبه اضطراب ـ في شدة موجات المخ كما تظهر على جهاز (رسام المخ الكهربي) (ويعرف اختصارًا بالحروف EEG).
وتبدأ (المرحلة الثانية) حين يتغير شكل موجات المخ على جهاز الرسم، ليأخذ طبيعة منتظمة وشكلاً مميزًا، يبدأ بموجات مرتفعة (طويلة أو عالية) تأخذ في الانخفاض تدريجيٌّا. ويتكرر نمط هذه الموجات (أو الرسوم) كل عدة ثوان. ويمكن إيقاظ النائم بسهولة في هذه المرحلة.
أما (المرحلة الثالثة) فتتميز بانخفاض أكبر في نشاط المخ الكهربي، مع انتظام ضربات القلب بمعدل ستين نبضة في الدقيقة, كذلك يكون التنفس بطيئًا ومنتظمًا، كما ينخفض ضغط الدم. وتوصف هذه المرحلة من النوم بأنها (متوسطة العمق).
و(المرحلة الرابعة) أو مرحلة (النوم الحقيقي)، تتميز بالعمق، بحيث لا ينتبه النائم إلى معظم المؤثرات الخارجية، على الرغم من أن المخ يستقبل جميع المنبهات الخارجية بـ (يقظة)! ومن الصعب إيقاظ النائم في هذه المرحلة، فإذا أجبر على الاستيقاظ فإنه يشعر أن جسمه ثقيل، وقد يصاب بصداع وغثيان، على أن قدرة الجسم على التكيف سرعان ما تعيد الأمور إلى نصابها، فيمر كل شيء بسلام!
وبينما (يغوص) النائم إلى (المرحلة الرابعة) فإنه (يطفو) مرة أخرى إلى مرحلة قريبة من (المرحلة الأولى)، تعرف باسم (مرحلة حركة العين السريعة)، وفي هذه المرحلة تقع الأحلام.
وجميع مراحل النوم المذكورة تكوّن ما يسمى (دورة النوم) وتستغرق الدورة الواحدة بين ثمانين إلى مائة وعشرين دقيقة، وتتكرر (دورة النوم) عددًا يتوقف على عدد الساعات التي ينامها الإنسان.
في الشق الثاني من التجربة، حيث حرم بعض المتطوعين من النوم مدة ثلاثة أيام متتالية، اتضح أن الأشخاص موضع التجربة مروا بدورة النشاط اليومية الطبيعية، فأظهروا فترات نشاط وخمول متعاقبة، ولم يتأثر أداء الوظائف الجسمانية بالحرمان من النوم، بينما تأثر النشاط العقلي بدرجة قليلة مع الأعمال التي تتطلب تفكيرًا منطقيٌّا وقدرًا من الإبداع، أما الأعمال المملة المتكررة، فأظهرت تدهور النشاط العقلي بدرجة كبيرة، وظهر بعض الضعف في أعمال تتطلب مجهودًا عضليٌّا في اليوم الثالث.
ويبدو أن صغار السّنّ أقدر على احتمال الحرمان من النوم بدرجة تفوق احتمال الكبار. فقد استطاعت فتاة في العشرين من عمرها أن تواصل التجربة في اليوم الثالث إلى نهايته، بينما غلب النوم رجلاً في الأربعين من عمره بمجرد انتهاء التجربة!
وبعد الحرمان من النوم، لوحظ أن الأشخاص موضع التجربة ناموا بين أربع عشرة إلى ست عشرة ساعة، وفي هذه الساعات، أنفقوا وقتًا طويلاً في مرحلة الأحلام (مرحلة حركة العين السريعة)، وبعد الاستيقاظ من النوم، ظهرت دلائل اضطراب في وظائف أجهزة الجسم المختلفة، ولم تَعُدْ هاتِهِ الوظائف إلى طبيعتها إلا بعد انقضاء عشرة أيام على انتهاء التجربة!
البحث العلمي والطبي في ظاهرة النوم لا يتعارض مع كون النوم آية من آيات الله ـ تبارك وتعالى ـ كما ذكر ـ سبحانه وتعالى ـ في محكم التنزيل: }وَمِنْ ءَايَاتِهِ مَنَامُكُم بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَآؤُكُم مِن فَضْلِهِ إنَّ فِى ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ{. (الآية 23 من سورة الروم).