• لقد أنزل الله هذا الكتاب العظيم ، فبهر الألباب ، وسلب العقول والأبصار ، فانقادت له النفوس لما فيه من صور وجلال ، فآمنت بعض النفوس ، وعاندت بعضها ، شقاء وضلالاً ، إلا أن كلا الفريقين . قد وقف مبهوراً من هذا القرآن وعظمته .
• وما قصة عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – وقصة الوليد بن المغيرة إلا نموذجاً من قصص كثيرة للإيمان والتولي بعد أن التقيا عند نقطة الاعتراف بعظمة هذا القرآن وإعجازه.
• وهذا الأثر الذي تركه القرآن في نفوس سامعيه ذكر الله طبيعته فقال يخاطب الناس جميعاً (يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ) فهو إذن موعظة ، والموعظة من شأنها أنها إذا استقرت في قلب سليم فإنها تهزه هزاً عنيفاً لا تدع في النفس شياً من ممن لا يرضى الله اقتلعه منة جذوره .
• وليس في هذا الكلام عجب فكم من إنسان كان معرضاً عن ربه بعيداً عنه كل البعد لما قد يكون كافراً يريه جاحداً ربوبية وألوهيته فما أن يسمع شيئاً من كلام الله ، وتلامس شتات قلبه حتى تراه يهز من الأعماق ، متأثراً بعظمة هذا الكلام ، مستجيباً لهذه الموعظة البليغة . ولقد عبر عن هذا المشهد والموقف العصيب جبر بن مطعم – رضي الله عنه – حينما سمع آيات من القرآن من سورة الطور من فمي الرسول ، فخفق فؤاده وطار قلبه وقال [ كاد قلبي أن يطير ، وليس ثم من اللوم على هذا القلب أن يطير ، بل اللوم كل اللوم أن يبقى هذا القلب قابعاً في مكانه دون أن يهتز ويضطرب من الكلام الذي قال في من أنزله ( لو أنزلنا هذا القرآن على جبل …….تتفكرون) فالجبال على عظمتها وشموخها تخشع وتتصدع ، فما بالك بقلب ابن آدم تلك المضغة الطرية .
إذاً فهذه هي روعة القرآن التي أخذت بلب ذلك العصر الأول كله مؤمنهم و كافرهم فأما المؤمنين فهذا أمر ظاهر للعيان والواقع شاهد عليه ، وأما المشركون الجاحدون ، فأذكر شاهداً واحداً من شواهد كثيرة ، تدل على إعجابهم وانبهارهم فهذا القرآن العظيم وهو ما كان من أمر رؤساء كفار قريش أبى جهل وأبى سفيان و الأخنس بن شمس نور ، فقد كان كل واحد منهم يتسلل ليلاً يستصغي إلى رسول الله وهو يتلو القرآن يسمعه ويلذ له من الطرب سمعه ، حتى إذا قفل كل واحد منهم وجمعهم الطريق ، صاروا يتلاومون على هذا أشد اللوم ن ويتعاهدون أن لا يعودوا ، ثم هم يعودون لهذا العمل . فنرى في هذا الموقف أن كفرهم وعنادهم لم يقف حائداً بينهم ومن الاستماع إلى القرآن والطرب له لما يجدون في نفوسهم من النشوة و الانجذاب إليه وهو يلقي في نفوسهم ، ولكن ( جحدوا بها و استيقنتها أنفسهم )
، وهو ذلك القرآن العظيم الذي لما سمعته الجن لم أن قالت ( إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد فأمن به )
إذاً فهذا القرآن قد سحر كل من سمعه ، سواء أمن به أو كفر ، فكلاهما يلتقي عند الاعتراف بما يحمل القرآن في طياته من الروعة والفطرة ، ولكن لعب هذا الاتفاق على هذه الروعة ، والإجماع على العظمة ، وعلى ذلك السر المؤثر الذي يخدون إيقاعه يتردد في حنا يا النفس وزواياها بعد هذا يفترقون فقال الكافرون ، شعر وسحر ،كما حكى الله عن واحد منهم معبراً عن رأيهم جميعاُ فقال ( إن هذا إلا سحر يؤثر ) وقال المؤمنون كلام الله رب العالمين أمنا به كل من عند ربنا ...
فهم من ذلك العهد القديم مختلفون ، ولا يزالون مختلفين إذ أن هذا القرآن لا تنقضي عجائبه بسبب أنه لابد من بيان وجه إعجاز هذا القرآن العظيم ، فإن وراء هذه الروعة وهذا التأثير سراً فما عساه أن يكون .